الأخطاء المثمرة

الأخطاء المثمرة

- المؤلف : كاثرين شولتز

- عدد صفحات الكتاب : 400

- تاريخ النشر: 2010

- ملخص الكتاب ..

-- متعة الصواب ..

يستقبل وعينا الإدراكي الأخطاء باعتبارها ضربًا من الخزي والغباء، بل وتتشعب جذورها لتشمل الجهل، والبلادة، والمرض النفسي، وحتى انحلال الأخلاق.

إلا أن هذا المعتقد – كغيره – لا بد وأن يخضع للتغيير إن لم يكن للتدمير.

فزلتنا الكبرى أن نخفق في فهم المعنى الحقيقي وجوهر الأخطاء، حيث إن ارتكاب الأخطاء هو سمة بشرية طبيعية أبعد ما تكون عن العلل الذهنية، بالإضافة إلى كونه جزءًا أصيلًا من أكثر خصالنا إجلالًا وإنسانية كالتعاطف، والتفاؤل، والإبداع، والقناعة، والبسالة، وليس خللاً أخلاقيًا كما يعتقد البعض، ناهيك عن كونه العنصر الأهم في عمليات التعلم وإحداث التغيير وليس له أدنى صلة باللامبالاة والتخلف.

خلاصة القول: بفضل الأخطاء نراجع أنفسنا، ونطور عقولنا، ونتصالح مع العالم.

تلعب الأخطاء دورًا في التنمية الذهنية والعاطفية لأنه من غير اللائق التمادي في التعامل معها بمنظور الانحلال واللاأخلاقية. وقد شبه ”بنجامين فرانكلين“ الزلات الإنسانية – في إحدى مقولاته عن الحقائق والأخطاء – بالنافذة التي يطل الإنسان من خلالها على العالم الحقيقي ويدرك أبعاده الخيالية، وقدراته اللامحدودة، وكذلك جوانبه المتهورة.

ومن ثم فهذه المقولة تزيل الغبار عن حقيقة هامة، وهي أن أخطاءنا أيًا كانت جسيمة أو متواضعة فمنها نتعلم، وليس من صوابنا وسدادنا وحكمتنا فقط.

-- أنماط الأخطاء ..

من أكثر المعتقدات الشائعة حول مفهوم الأخطاء أنها تحوي بين طياتها جانبًا من الخطورة، والإذلال، والبغض، والملل. إلا أن هذا النمط من الأخطاء – وليكن النمط التشاؤمي – لا يخلو من الحسنات. فربما تزعجنا، وتهيننا، وتضرنا أخطاؤنا، وكذلك تفعل بمن حولنا.

وعلى الرغم من الإنصاف الذي تقوم عليه هذه الرؤية، فإنها تفتقر إلى بعض الأمور. فهي تدحض إحدى الحقائق الهامة وهي أن الأضرار الناجمة عن الوقوع في الأخطاء تتلاشى وتضمحل مقارنة بتلك التي تقودها مشاعر الخوف، والكره، والتنصل من المسؤولية، حيث يتحول الخوف من ارتكاب الأخطاء إلى عقبة في طريق الأهداف، فتتحجر القلوب، وتتجمد العقول، وتتبلد العلاقات، وننفصل تدريجيًا عن الواقع.

ينبع الخوف من ارتكاب الأخطاء – كغيره من المخاوف – من انعدام الفهم بشكل أو بآخر، كما أن هذا النمط التشاؤمي ينهانا عن ارتكاب الأخطاء دون أن يدلنا على السبب ودون أدنى إشارة إلى الزلات التي تتحول أحيانًا إلى إيجابيات .. ! ، فمن العدل أن ندرس تجاربنا الحياتية القائمة على الأخطاء من خلال منظورين مختلفين كي نقيمها على أكمل وجه. هنا يبرز النمط التفاؤلي الذي لا تتقيد رؤيته للأخطاء بالذل والانكسار، بل إنها لا تتقيد على الإطلاق.

فالاندهاش والحيرة، والتشويق والإثارة، والابتهاج والمسرة، كل هذه العناصر وأكثر تندرج ضمن النمط التفاؤلي للأخطاء. قد يندر اكتشاف هذا النمط فيما حولنا نظرًا إلى الهالة المتضخمة والملبدة بالمخاطر، والسلوك السلبي، والخزي، وغيرها من العناصرالملازمة للأخطاء التي تحول دون رؤيته. إلا أن أحدًا لا يستطيع أن ينكر وجودها ودورها المتواضع والقوي – في نفس الوقت – في تغيير معتقداتنا عن مفهوم الأخطاء، وكذلك إعادة اكتشاف أنفسنا.

من أهم المبادئ المتأصلة والمترسخة في النمط التفاؤلي أن الأخطاء منبع الإبداع بما في ذلك أتفه الأخطاء وأبسطها؛ الأمر الذي يحدو بأنصار هذا النمط إلى التأكيد على دور الأخطاء في تحفيز الابتكار. ومن ثم يتسبب هذا المعتقد في نوع من الراحة النفسية وكذلك ”الضميرية:“ ارتكب أكثر الأخطاء فداحة، تخلص من المعتقدات التي يفرضها العالم من حولك، وستجد طريقك ممهدًا نحو مزيد من التفاهم. وهكذا تتبدل مشاعر الإهانة والبهتان بالإنجاز والاستنارة. تنعكس هذه العلاقة المعقدة والفريدة ما بين الخطأ والحقيقة في المعنى المزدوج الذي تحمله بين طياتها كلمة ”الرؤية؛“ فيمكن أن تنم عن الوهم أو عن الإلهام.

ولكن لسوء الحظ ونظرًا إلى شيوع وسهولة اكتشاف النمط التشاؤمي وما يصاحبه من مشاعر ذل وانكسار، فإن المعتقد الذي يثبت العلاقة ما بين الأخطاء والإبداع قد لا تبرز ملامحه على أرض الواقع بشكل ملحوظ. لذا كثيرًا ما تتحول الزلات إلى مقبرة للإبداعات، لا سيما حين تتحطم إحدى أفكارنا وأعظم معتقداتنا على صخرتها. وكذلك تكلفنا أخطاؤنا الكثير كي تتحول في النهاية إلى دروس مستفادة.

هنا تبرز الاختلافات بين نمطي الأخطاء التشاؤمي والتفاؤلي: فأخطاؤنا إما تعكس الطبيعة البشرية والسمات الدنيوية – أو تحجبها، تقودنا نحو الحقائق – أو تطمثها، تغاير العالم الواقعي – أو ترمز إليه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نوع من الخلل ينبغي علينا التصدي له – أو حتميات لا مفر من التعايش معها، وأخيرًا فهي إما همجية – أو غاية في الإنسانية. يمتزج هذا الخليط المعقد ليشكل في النهاية إدراكنا لمفهوم الأخطاء، ويرشدنا إلى التناقضات التي تحكم رؤيتنا للأخطاء والسبل المتنوعة للتعامل معها والتي ربما لم تخطر ببالنا قط.

-- منشأ الأخطاء : خداع الحواس ..

تتنوع الأسباب التي يمكن أن نعلق عليها أخطاءنا، إلا أن خداع الحواس يتربع على عرش هذه الأسباب. وعلى الرغم من العواقب الوخيمة لمثل هذه الأخطاء ”الحواسية“ فإننا عادة ما نستهين بها – إن أعرناها انتباهًا في الأساس – غير مدركين أن الإخفاقات الحواسية والإدراكية تشكل جوهر الأخطاء بشكل أو بآخر. فبمجرد أن يقع أحدنا في خطأ ما، سرعان ما نُرجع ذلك إلى نوع من الوهم الحسي الذي ألمَّ بنا، والأمر سيان حين تتغير معتقداتنا حول شيء ما فنعتقد أننا قد تحررنا من هذا الوهم.

وبشكل عام تتشابه وتتجانس مرادفات الرؤية حين يتعلق الأمر بنظرتنا إلى كلٍّ من الحقائق والأخطاء. فمن يرون الحقيقة بعين بصيرة عادة ما يتمتعون بالإدراك الحاد، والفراسة، ودقة الملاحظة، والاستنارة، والوعي، والقدرة على التخيل والابتكار بعكس من يلازمون عصور الجهل والظلام. كما يتضح الدور الذي تلعبه الحواس في حياتنا اليومية من خلال محادثاتنا الاعتيادية كأن نقول حين نستوعب أمرًا ما: ”الآن قد (أدركت) وجهة نظرك“ وأيضًا ”لقد انعكست (رؤيتي) للأمور“ أو ”(أعمتني) الأكاذيب ولكني الآن قد (أبصرت)“… إلخ.

ينبع خداع الحواس من العمليات الإدراكية الطبيعية – والمفيدة في أغلب الأحيان.

ولا يقتصر ذلك على العمليات المرئية فقط؛ فالخدع السمعية أكثر شيوعًا وحدوثًا. قد تكون معتادًا هذا النوع من الخداع إن كان لديك هاتف جوال أو طفل صغير؛ فكم مرة تهيأ لك أنك تسمع رنين هاتفك أو بكاء طفلك دون أن يحرك الأول ساكنًا أو ينبس الثاني ببنت شفة! تأتي بعد ذلك الخداعات الملموسة ومن أشهرها تخدُر أو تنمُل الأطراف: وهو شعور مُلح بفقدان الشعور وعدم القدرة على تحريك أحد أطراف الجسد لوهلة.

كما يواجه بعضنا شعورًا مماثلًا يعرف بال”القبعة الوهمية،“ وهو أن يستمر شعورك بتأثير إحدى الملحقات، أو الضمادات، أوالملابس لوهلة حتى بعد نزعها.

قد تبدو الإخفاقات الحسية في بادئ الأمر خطرة أو مزعجة، تبعية أو تافهة، أو حتى مبهجة تمامًا كالأخطاء، إلا أنها تُبرز بدورها الجانب العملي وكذلك العاطفي لأخطائنا. لذلك يدعي البعض أنها نموذج مثالي للأخطاء. ولكن الأهم من ذلك أنه من خلال الخداعات نتعلم كيف نتأمل الأخطاء: فهي على المستوى الفكري توضح كيف لأكثر المظاهر الواقعية إقناعًا أن تنحرف وتخرج عن نطاق الواقع وحدود المألوف، وكيف للعمليات المعرفية التي يصعب اكتشافها – والتي تصب في صالحنا إلى حد ما – أن تتركنا عرضة للأخطاء. أما على المستوى العاطفي، فالخداعات الحسية هي منبع التواضع. فحتى إن لم نستطع أن نكتشف أخطاءنا ونغفر للآخرين أخطاءهم، فعلى الأقل تتاح لنا الفرصة لتأمل الأخطاء المشتركة والأكثر شيوعًا.

-- منشأ الأخطاء : المجتمعات واتباع الذات ..

هل يكون الإنسان أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء حين يتبع القطيع أم حين يصنع سبيله الخاص؟ بمعنى آخر، إن كان الجميع ينتهجون هذا النهج، فهل بالضرورة هو الأصلح! تكرر هذا التساؤل.

لا شك أن تحكيم العقل وتحديد خطوط السير المتفردة هدف جليل في حد ذاته. ولكن من ناحية أخرى فهناك عقبات ثلاث تعيب المنهج القائم على تجنب الحشود لتفادي الأخطاء. أولها أن البعض قد يتخذ من التفكير المستقل مبررًا للأفكار الشاذة وغريبة الأطوار. ويمكنك أن تتجاهل هذا النوع من مُدعي الفهم والاطلاع بأن تعتبرهم ضحايا الخلل والحشد المجتمعي بينما تحتفظ بأفكارك جانبًا.

تأتي بعد ذلك العقبة الثانية والتي تتلخص في أن ملاحظاتنا وخبراتنا الشخصية ليست بالضرورة أفضل وأجدر من عمليات الاطلاع والمعرفة – حتى وإن كانت ثانوية وليست شاملة. أما عن العقبة الثالثة والأهم فهي افتقار الإنسان إلى القدرة على التعايش بمفرده ووفقًا لمعتقداته الخاصة فقط، فعقولنا تكمل بعضها بعضًا. وإن جازف الإنسان بذلك، فسيفقد إيمانه بكثير من المعتقدات التي لطالما اعتبرها حقائق وثوابت.

بالطبع لا يطمح الكثيرون منا في إفناء ما تبقى من حياتهم في التأكد من صحة ما يؤمن به الآخرون من معتقدات وفرضيات، فالحياة قصيرة بما يكفي. ولكن الاعتماد على المعلومات والمعارف حتى وإن كانت ثانوية يضفي على حياتنا لمسة من المتعة وكذلك الفاعلية أكثر مما تتخيل. فالعالم من حولنا يزخر بالمصادر والمعارف الثانوية – بداية من المتحدث الرسمي للبيت الأبيض وحتى جريدة الأخبار العالمية الأسبوعية.

هنا نجد تساؤلًا ملحًا عن طبيعة المعتقدات يفرض نفسه، وهو: أي هذه المصادر أكثر شفافية وأجدر بالتصديق؟ يلجأ الإنسان في كثير من الأحيان إلى عملية تقييم متأنية وشاملة لكل المصادر. كما يعمد إلى تعميق هذه العملية الفكرية من خلال تبادل الخبرات والمعلومات التي توصل إليها ومقارنتها مع الآخرين لا سيما الطلاب، والباحثين، والمتخصصين في المجالات القائمة على استخراج البيانات.

ولكن يصعب الاستمرار على هذا المنوال في خضم حياتنا اليومية وما يصاحبها من مشاغل ومسؤوليات. فأصبحنا بدلًا من تقبل المعلومات التي سبق وتحرينا عن مصادرها فقط، نضع ثقتنا في أحد المصادر ومن ثم نتقبل كل ما يرد به من معلومات مغمضي العينين.

وقد لخص الفيلسوف ”أفيشاي مارجاليت“ هذا المعنى فيما يلي: ”لا يتعلق الأمر بكوني عالقًا في نسيج من المعتقدات، وإنما في شبكة من الشواهد والمؤشرات!“ تحدد علاقتنا بهذه الشواهد – الأشخاص والمؤسسات المصدقين على صحة بعض المعتقدات – ردود أفعالنا تجاه كل ما تقدمه من معلومات. وكما قالها مارجاليت: ”كلما ازدادت ثقتي بأحد الشواهد تأكدت من صدق ادعائها!“

-- ماذا يحدث عند إرتكاب الاخطاء .. ؟

ماذا يحدث حين يدرك الإنسان أنه قد وقع فريسة للخطأ، تلك اللحظة التي تتحول بها متعة الصواب إلى خيبة الفشل؟ تشكل هذه اللحظة جوهر التجربة نفسيًا وهيكليًا. ففيها يُطمس جزء من ماضينا ويُبعث إنسانًا جديدًا.

ومن ثم تلعب هذه اللحظة دورًا جليًا في التنمية الأخلاقية والفكرية، الأمر الذي يفسر ذلك الخوف والفزع الذي يغمرنا تجاه تلك اللحظات التي من شأنها أن تساعدنا – بمرور الوقت – في التخلص من هذه المشاعر السلبية. هذه اللحظات التي تعجز عن وصفها الكلمات والتي من خلالها يعترف الإنسان بخطئه هي في الواقع ليس لها وجود! فحين يدرك الإنسان كذب ادعائه وزيف معتقداته، فكل ما يفعله هو أن يكف عن الإيمان بها والدفاع عنها.

بالطبع هناك ثمة ما يحدث بين مرحلتي اعتقاد الصواب واكتشاف الخطأ، إلا أن هذا الشيء يصعب اكتشافه لطبيعته المتحايلة. يعزى ذلك إلى السرعة المتناهية – أو البطء الشديد – الذي ننتهجه في تغيير معتقداتنا بحيث يصعب الوقوف على لحظة المواجهة الحقيقية مع الخطأ.

وصف ”توماس كوهن“ – أستاذ فلسفة العلوم – ردود أفعال العلماء حين تخفق أفضل نظرياتهم قائلًا: ”يتفادى العلماء ذكر الأخطاء التي تشوب تجاربهم ونظرياتهم حتى وإن كان من الممكن أن تتمخض عن خسائر بالغة ومتفاقمة، فالنظريات العلمية لا يمكن أن تفند محتوياتها إلا إن ظهر بديل يثبت عكسها.“

من هذا المنطلق قلما تخفق النظريات لقصور يشوبها، وإنما تتداعى للسقوط فقط حين يظهر بديل أفضل. والأمر سيان بالنسبة إلينا؛ الفارق الوحيد أننا قد نجد أنفسنا حائرين ما بين الوظائف، والهوايات، أو المنازل وليس النظريات.

وبدلًا من تقييم كل معتقد وفقًا لما يميزه، نتشبث بمعتقداتنا الحالية إلى أن يظهر ما هو أفضل. ولا يوجد ثمة ما يعيب هذه الاستراتيجية – بل إنها تبدو الخيار الأفضل والأمثل – سوى أنها تقلص لحظة المواجهة مع الخطأ إلى حد الانعدام.

فمعتقداتنا حول شيء ما تظل صائبة إلى أن نجد بديلًا أصوب! ولكن في بعض الأحيان لا تؤتي هذه الاستراتيجية ثمارها على النحو المنشود؛ فها نحن نتنقل بين هذا وذاك، من صواب بائد إلى صواب جديد إلى أن نسقط في الهوة القاتلة حيث العدم بعدما تحطمت كل معتقداتنا ولم يعد هناك بديل يحل محلها

وذلك هو جوهر الأخطاء. فمجرد فكرة أن نكون على خطأ فيما مضى قد تؤرقنا وتستفز غرورنا، ولكن أن نكون عالقين في أحد الأخطاء حاليًا دون منفذ أو منقذ، فتلك هي الأزمة الحقيقية.

لحسن الحظ قلما يسقط الإنسان في هذه الهوة بسبب انهيار المعتقدات البسيطة، وإنما يحدث ذلك حين تتحطم أعظم معتقداتنا – تلك التي لا يمكن استبدالها أو العيش دونها.

-- نقطة التحول ..

يشكل الوقوع في الأخطاء لحظة انفصال واغتراب عن الذات. وبعض الأخطاء تعجل باغتراب أكثر شدة من غيرها. فإن كان تغيير آرائنا في بعض المعتقدات – العقائدية، والأسرية، والسياسية، وغيرها – من شأنه أن يحدث طفرة في تقبلنا لأنفسنا، فكذلك الحال حين نغير نظرتنا إلى عقولنا، بل إن هذه الطفرة تقدم خير مثال للأثر الذي تتركه الأخطاء على هويتنا وشخصيتنا: فمن الممكن أن نكتشف أننا قد أسأنا فهم وتقدير أنفسنا منذ البداية.

فنظرتنا إلى أنفسنا – كنظرتنا إلى الكثير من الأشياء حولنا – تقوم على مجموعة من المعتقدات التي – كغيرها من المعتقدات – قد تكون عرضة للخطأ. فمن منا لم تتغير أفكاره وتتبدل نظرته إلى ذاته ما بين ليلة وضحاها أو تغيرت بمرور الوقت على أدنى تقدير. ففي البداية نعتقد أنه لا رغبة لدينا في إنجاب الأطفال، نتمنى أن نصبح أطباء في الكبر، نظن أن لا مستقبل لنا في بلدة ما، نعتقد أنه من المحال أن نقع فريسة للإحباط في يوم ما أو ينتابنا هوس بشيء معين أو أن نقيم علاقات ناجحة… إلخ ! فلكل منا رواياته الخاصة التي – كالنظريات العلمية وتاريخ البشرية – عفا عليها الزمان وأمست في خبر كان.

-- ندم المشتري ..

تقدم الظاهرة المعروفة ب”ندم المشتري“ خير مثال للسهولة التي بها نخفق في فهم أنفسنا. حيث تشير هذه الظاهرة إلى إخفاقنا في تحديد متطلباتنا، ورغباتنا، ومعتقداتنا، ومشاعرنا. لا تكمن مشكلة هذه الظاهرة في طرح الأسئلة غير الملائمة لاحتياجاتنا في المستقبل، وإنما في أننا لا نعرف أنفسنا بالقدر الكافي لنجيب عن الأسئلة بالشكل الصحيح. ولا تقتصر هذه الأزمة على المستقبل فقط، وإنما بقدرتنا – أو بالأحرى فشلنا – في التنبؤ بمشاعرنا وقناعاتنا بشكل عام.

وبالتالي ففهمنا لذاتنا قد يحيد عن الطريق سواء كنا نراجع ماضينا، أو نتأمل حاضرنا، أو نرسم ونتخيل مستقبلنا. قد تثير هذه الحقيقة – مثلها مثل الوقوع في الخطأ – مجموعة من المشاعر المتضاربة.

وعلى الرغم من عدم إلمامنا بكل جوانبنا الشخصية وتقبلنا لهذا الواقع بشكل عام فإننا نأبى أن نعترف بإخفاقنا الراهن في استيعاب بعض هذه الجوانب.

ومن هذا المنطلق نُعزي الأخطاء إلى الفجوة ما بين رؤيتنا الذهنية للأشياء وبين حقيقتها، ولكن ماذا يحدث حين يتعلق الأمر بأنفسنا .. ؟ لكي نتقبل حقيقة إخفاقنا في فهم أنفسنا أحيانًا، لا بد أولًا أن نؤمن بالفجوة بين ما نراه – في هذه الحالة عقولنا – وما نرى من خلاله – أي عقولنا أيضًا.

نؤمن جميعًا أن هناك الكثير من الأشياء التي يغفل عنها العقل بشكل أو بآخر. كما نعلم أن كثيرًا من العناصر التي تشكل هويتنا تخضع للتغيير المستمر كالمهارات والأولويات، ولكن حين يتعلق الأمر بغيرها من الجوانب الشخصية، يأبى العقل أن يصدق عليها. ينطبق ذلك على السمات الشخصية (”أنا أعمل بإتقان وإخلاص،“ ”تزعجني انفعالاتي الحادة،“ ”أعاني من الخجل الشديد“)، والمهارات والعيوب الرئيسية (”أتمتع بذاكرة رقمية حادة،“ ”أعاني من ضعف التركيز والانتباه)، وبعض المعتقدات الجوهرية الشخصية (”أنا شخص يُعتمد عليه وجدير بالثقة“) وأيضًا الفلسفية الشاملة (”للتعليم فائدة كبرى،“ ”نعيش في عالم تحكمه المصالح“).

فالمقومات الأساسية لشخصياتنا، ومواطن قوتنا ونقاط ضعفنا، ومبادئنا الأخلاقية والفكرية الراسخة، وعلاقاتنا بأنفسنا، وبالآخرين،وبالعالم أجمع، كل هذه العناصر وأكثر تتجمع معًا لتشكل ”هويتنا“ في نهاية الأمر، ولكننا نصر دائمًا على أن تظل هذه الهوية ثابتة ومترسخة لتشكل أساسًا صلبًا تتكئ عليه البنية بأكملها.

تأتي الأخطاء بعد ذلك لتشكل أخطر وأقوى التحديات لكل ما سبق بما في ذلك إصرارنا على إلمامنا بكل جوانب شخصيتنا، وكذلك بأن شخصياتنا ثابتة غير قابلة للتغير.

وقد سبق وذكرنا أن المعرفة وحدها لا تمنح المناعة الكافية ضد الخطأ بما في ذلك معرفة الذات، ولكن إصرارنا على استيعاب الذات باعتبارها كيانًا متسقًا ومقروءًا كالكتاب المفتوح يحول بيننا وبين فكرة الوقوع في الخطأ ولو كمجرد احتمال. بل إن الانسياق وراء هذا الاعتقاد لا يبدد فرص الوقوع

Shares

1

  • if_facebook_circle_color_107175_white_black
  • if_twitter_circle_color_107170_wb
  • if_instagram_circle_color_107172_wb

©2014 by La5sly, developed by ( Muhammed Magdy - Samir Hosny

عدد زائري لخصلي

  • if_facebook_circle_color_107175
  • if_twitter_circle_color_107170
  • if_instagram_circle_color_107172
  • subscribe
  • msg