المتانة !

- المؤلف : نسيم نقولا طالب

- عدد صفحات الكتاب : 550

تاريخ النشر : 2012

- ملخص الكتاب ..

- الريح التي تلهب الشمعة ، تلهب النار ..

لا تخف العشوائية حتى لا تصبح فريسة للظنون، أو تربكك الفوضى تمامًا: اجعلها أدواتك وطوع يديك، لا أشباحًا تخاف منها: فأنت نار تتوق إلى الرياح.

تلخص هذه العبارة حماس ”نسيم طالب“ للصدفة ولعنصر المفاجأة. نحن لا نود أن نحيا الفوضى فحسب، بل نريد صناعتها، ترانا نطمح إلى ما هو أكثر من ذلك: أي أن تكون لنا الكلمة الأخيرة وأن لا نهتم بالحزن، أو الخوف، أو الألم، أو حتى السعادة لأننا باختصار صناع كل ما نريد؛ ويتمحور دورنا حول استئناس كل ما هو غير مرئي، أو معتم، أو غير مفهوم، أو السيطرة عليه، أو حتى دحره.

- ذوو المتانة ..

تشير هذه الفئة إلى كل من يقوى بالصدمات، بل تراه ينهل من التقلبات، والفوضى، والضغوط، والمخاطر، والمغامرات. ورغم تفشي جميع الظواهر سالفة الذكر، لا يوجد مصطلح بعينه أو كلمة واحدة نصف بها تلك الصفة التي تمثل عكس كلمة ”هش أو ضعيف“ بشكل دقيق. من ثم، سنطلق على كل من ينهل من الفوضى والضغوط لقب ”المضاد للهشاشة“.

فما هو متين يفوق كل مستويات المرونة أو حتى القوة: إذ يقاوم المرن الصدمات ويبقى كما هو، أما المتين فإنه يتحسن للأفضل. يعد امتلاك هذه الصفة هو السبب الرئيس لتغير أي شيء بمرور الوقت: بدءًا بالتطور، والحضارة، والفكر، والثورات، والنظم السياسية، والتطور التقني، والنجاح على الصعيدين الثقافي والاقتصادي، وصمود المؤسسات، ووصفات الطعام الشهي كحساء الدجاج، ونهضة المدن، والحضارات، وتطور القوانين، وخضار الغابات الاستوائية ووصولاً إلى بقاء الجنس البشري على كوكب الأرض.

تضع المتانة حدودًا بين كل ما هو حي أو مركب مثل الجسم البشري وكل ما هو خامل أو جامد مثل المكتب أو أدواته. فكل ما هو متين يعشق العشوائية وعدم اليقين، ويميل إلى الوقوع في بعض الأخطاء؛ ومن شأن المتانة أن تجعلنا نقدم على المجهول، أو نتعامل مع أشياء قد لا نفهمها جيدًا وننجح في هذا التعامل. فنحن أفضل في الأفعال، لا الأقوال بفضل المتانة.

إذ يفضل البعض الغباء مع المتانة على الذكاء الشديد مع قابلية الهشاشة. فمن السهل أن نطبق مقياس المتانة على كل ما يحيط بنا فيما نمر به من ضغوط، وتقلبات مثل النظم الاقتصادية، وأجسامنا، وغذائنا، وبعض الأمراض (مثل السكري وأمراض العصر المرتبطة بغياب العشوائية في التغذية وغياب عنصر الضغط في الامتناع العرضي عن الطعام). بيد أن هناك تعاقدات مالية مميتنة: لأنها مصممة خصيصًا للاستفادة من تقلبات السوق.

- كيف تصبح الضغوط نعمة ..

إن كانت كل الأنظمة المتينة هي التي صمدت، فهذا يعني بالضرورة أن إبعاد تلك الأنظمة عن التقلبات، والعشوائية، والضغوط سيتسبب في الإضرار بها. إذ ستوهن فتموت، أو تنفجر. فلم نزل نعرض اقتصادنا، وصحتنا، وحياتنا السياسية، ومنظومتنا التعليمية للهشاشة بحمايتها من التقلبات والعشوائية: كأن تقضي شهرًا في الفراش وبين يديك النسخة الكاملة لرواية ”الحرب والسلام“، والاستماع إلى نحو 86 حلقة من مسلسل ال”سوبرانو“، وهو أمر من شأنه تعريضك لضمور العضلات، والوهن، بل والموت:

لأنك أقصيت كل عناصر الضغط.

إن التطور الذي حظي به عالمنا حرمه نعمة الضغوط بفعل ابتكاراته وسياساته التي لا تحتاج المتانة. إننا نعاني مأساة الحداثة: فكلما ازدادت حماية الآباء لأبنائهم، ازدادت هشاشتهم.

- ترياق البجعة السوداء ..

يطلق مصطلح ”البجعة السوداء“ على تلك الأحداث ذات العواقب الوخيمة، والتي لا يستطيع المراقبون التنبؤ بها ويفاجأون ويضارون بسببها.

تحدث معظم كوارث التاريخ بفعل تحصيننا لأنفسنا ضد ”البجع الأسود“: إذ لا ننفك نجري التعديلات الدقيقة على استيعابنا لكل ما هو معتاد، وتطوير نماذج ونظريات تعجز عن التنبؤ بتلك الصدمات المباغتة المسماة ”بجعة سوداء“.

يستولي البجع الأسود على عقولنا بشكل يجعلنا نبدو وكأننا تنبأنا به حيث إن تلك الظاهرة قابلة للتأويل بأثر رجعي. من ثم، لا نستطيع إدراك الدور الذي يلعبه البجع الأسود في حياتنا بسبب أوهام التنبؤ المشار إليها: فالحياة كالمتاهة التي لا نستطيع الخروج منها، غير أن عقولنا قد اعتادت تحويل حركة التاريخ إلى حركة خطية (بعكس الحقيقة فحركة التاريخ دائرية وما يحدث اليوم قد يتكرر بشكل مختلف بعد بضعة عقود، أما عن الحركة الخطية فهي توحي بحتمية التغير أو التطور: بالتالي يعترينا الوهم أنه من الممكن صناعته أو تشكيله) الأمر الذي يجعلنا نقلل من شأن التقلبات، أو نخشاها حين نراها تحدث. وهكذا يقودنا الخوف من الفوضى والتعطش إلى النظام إلى صناعة نظم من شأنها تعطيل مسار أو تشويش منطق الأمور غير المرئية، ويعرضنا للاصطدام بالبجع الأسود: فحين ننشد نظامًا مثاليًا، فإننا نحصل على نظام كاذب؛ لأننا لا نحصل على النظام المثالي إلا حين نتقبل الفوضى.

تعج الأنظمة المعقدة بالتشابك الذي يصعب تتبعه أو التخطيط لمواجهته. وتعني كلمة ”التخطيط“ في هذا السياق أنه حين نضاعف من جرعة دواء بعينه، أو عدد موظفي أحد المصانع، فإننا لا نحصل على ضعف التأثير الأصلي، بل نزيده أو ننقصه. فقضاء عطلتين متتاليتين لنهاية الأسبوع في أحد المنتجعات لن يمنحنا ضعف متعة قضاء عطلة واحدة. وبالمثل لا يعطينا التطور التقني فرصة التنبؤ بالمزيد من الأحداث، لأنه يطمس المزيد من الحقائق. ولأسباب تتعلق بزيادة كل ما هو مزيف أو اصطناعي، راح الناس يتركون الزائف والحقيقي على حد سواء. كما أن التعقيد الممنهج في تصميم بعض الأجهزة (كالمحمول مثلاً) قد أفقدها قوتها. وقد زادت كل هذه العوامل من الآثار السلبية للبجع الأسود وجعلتنا ضحايا لداء ”جنون التحديث“ الذي يجعلنا نبني نظمًا سريعة العطب أو بعبارة أخرى سريعة التأثر بالبجع الأسود.

- القوة وحدها لاتكفي ..

الطبيعة ليست آمنة فحسب، بل هي جبارة في التدمير والإحلال، والانتقاء والتعديل. فحين تعتريها التقلبات، لا تكتفي بالقوة، بل تعطي مكانًا للضعف، والانحناء أمام الرياح. وهذا هو السبب وراء صمود كوكب الأرض لبلايين السنين: إذ إن قسوة الزمن لم تحطمه.

فلو كانت الأرض كاملة القوة، لحطمها أصغر شرخ، ونظرًا إلى تعذر بلوغ القوة المطلقة، يحتاج البشر إلى آلية تساعد أية منظومة على تجديد ذاتها من خلال استغلال التقلبات، والصدمات والضغوط، غير المتوقعة، لا الهروب منها.

- القابلون للكسر ..

يجنح الكثيرون إلى تجنب ما لا يفهمون، أو حسب القول الشائع: الناس أعداء ما يجهلون. بيد أن فئة أخرى تلقي نفسها في اليم دون معرفة مسبقة بالسباحة إيمانًا منها بأن الصدمة هي خير معلم. أما الهشون والضعفاء فهم الذين يحرصون على نظافة ملابسهم، وجدية ملامحهم، والاطلاع على الصحف والجلوس في وضع مستقيم في الطائرة والانتظام في حضور الاجتماعات. قد يبدو الكلام جيدًا، لكن الأمر ليس كذلك: فمن شأن كل تلك المظاهر إصابتهم بالاكتئاب وأمراض العصر.

هم أيضًا يعتبرون كل ما هو غير مرئي أو غير موجود غير مفهوم. من ثم، يميلون إلى خلط غير المعروف بغير الموجود.

القابلون للكسر سواء على الصعيد الطبي، أو الاقتصادي، أو صعيد التخطيط الاجتماعي يجعلونك تنخرط في تصرفات أو سياسات واضحة المعالم، لكنها قليلة الفائدة بدعوى أنه كلما زادت الفائدة، زادت معها المخاوف لأن المكاسب الكبيرة تحمل مخاطر عظيمة وغير مرئية.

من أمثلة هولاء نجد القابلين للكسر طبيًا: فهم يمعنون التدخل في جسدك لأنهم ينكرون عليه قدرته على علاج نفسه أو تسكين آلامه بنفسه. من ثم، تراهم يصفون لك بلايين الأقراص ذات المردود السلبي الرهيب.

أما الساسة والمخططون الهشون، فهم يخطئون فهم الاقتصاد ويجعلونه مغسلة ملابس تحتاج للإصلاح، لكنها لا تلبث أن تنفجر. وهناك القابلون للكسر نفسيًا:

الآباء الذين يمعنون في إعطاء أطفالهم المقويات لتحسين حياتهم العقلية والعاطفية! فهناك أمهات يمنعن أولادهن من لعب الكرة كي لا تنكسر أرجلهم. أما الهشون ماليًا فهم يستخدمون نماذج أعمال لمقاومة المخاطر تحطم المنظومة البنكية ثم يعيدون استخدامها مرة أخرى! وهناك الهشون أمنيًا الذين يكدرون الأمن العام، والقابلون للكسر بالتنبؤات الذين يحثونك على المزيد من المغامرات غير محسوبة العواقب.

جدير بالذكر أن الهش والقوي والمتين مفاهيم نسبية وغير مطلقة: فكلما اقتربت من القوة ازدادت هشاشتك، والعكس صحيح (هش قوي متين). فالحرفيون أبعد عن الهشاشة من أصحاب المشروعات الصغيرة، ونجوم الفن أكثر هشاشة من المهنيين. فقد يستفيد جسدك من بعض الضربات أو الخدوش، لكنه لن يستفيد كثيرًا إن ألقيت نفسك من على أحد الأبراج.

- اقطع رأسي من فضلك !

في الرواية الرومانية لإحدى الأساطير الإغريقية، يدعو الطاغية ”ديونيسيوس الثاني“ أحد رجال بلاطه المتملقين ”داموكليز“ إلى وليمة فاخرة يجلس في أثنائها تحت سيف معلق في السقف بشعرة ذيل حصان فوق رأسه. وبطبيعة الحال تتمزق الشعرة المذكورة بعد فترة، ويهوي السيف على رقبته. ولأن ”داموكليز“ هش، يطيح السيف برقبته. وفي أسطورة أخرى، نجد العنقاء تخرج من تحت الأنقاض بعد أن تحترق؛ وهناك حيوان ”الهيدرا“ أو نجم البحر الأسطوري. لل”هيدرا“ رؤوس كثيرة، فكلما قطعت واحدة، نمت اثنتان (أي أنها عكس ”داموكليز“).

من ثم، تعشق ال”هيدرا“ الأذى والتعرض للخطر، وبالتالي، فهي مثال حي للمتانة.

- مصدر المتانة ..

تخيل أنك تتعاطى جرعة معينة من السم، فتجعلك تشعر بتحسن كلي: إنها إحدى قواعد الصيدلة المعروفة باسم ”المناعة السمية“: فقليل من السم مفيد. ومن هنا نشأ مبدأ تحويل السم إلى دواء ومنه شعار الصيدلة (الحية التي تنفث سمها في كأس) فلبعض المواد المؤذية تأثير مفيد لأنه يستثير رد فعل مبالغًا فيه. بيد أنه في ذلك الوقت، لم يكن أحد ليترجم هذا في ضوء عبارة ”ومن الأذى نستفيد“، بل بالأحرى ”يجلب الدواء الأذى“ أو ”كلما زادت جرعة الدواء، صار الشفاء أسرع“.

لقد عرف القدماء ”المناعة السُمّية“ منذ زمن بعيد، لكن التأويل العلمي لهذا الاصطلاح لم يعرف حتى عام 1888 حين لاحظ خبير السموم الألماني ”هوجو شولتز“ أن جرعات صغيرة من السم تحفز نمو الخميرة، بينما تتسبب الجرعات الكبيرة في الضرر. وبينما يزعم بعض الباحثين أن الفائدة القصوى للخضروات تتركز في ”الفيتامينات“، دون إجراء ما يكفي من تجارب معملية عليها، لكن المفاجأة هي أن فائدة الخضار في تلك السموم التي تفرزها كي تحمي نفسها من أي هجوم والتي تمتصها أجسامنا بكميات معقولة من شأنها تقوية مناعتنا. من هنا، نؤكد أن جرعات منخفضة من بعض السموم تصلح الأمور.

- وظيفتك أم سمعتك .. ؟

هناك وظائف أو مراكز تتأثر بسمعة شاغليها: وهي سمة يتصف بها عصر الإنترنت التي لا يستطيع أحد التحكم فيها. من ثم، لا تسع وراءهما. فإن كنت ممن يلهثون وراءها ولا تعرف كيف تتحكم في سمعتك بفعل التدفق المعلوماتي، فاحرص على عدم التورط في أي موقف مُخجل من شأنه الإضرار بسمعتك. لكن الأفضل من هذا هو أن تضع نفسك في موقف تستفيد فيه من مقاومة المعلومات للهشاشة: إذ يتصف الكتاب بهذه الصفة، فالكتب الأكثر مبيعًا هي الأسوأ سمعة (مثل رواية ”شفرة دافنشي“)، بعكس المنتجات الأخرى أو المهن الأخرى.

لا تعي المؤسسات الكبرى والحكومات المردود القوي للمعلومات وقدرتها على التحكم في من يحاولون السيطرة عليها: فحين تسمع المتحدث الرسمي لإحدى المؤسسات أو الحكومات الغارقة في الديون يحاول ”إعادة ترسيخ دعائم الثقة“، تأكد أن الكيان المذكور هش أو على شفا الانهيار. فالمعلومات لا ترحم أحدًا، وعقد مؤتمر صحفي واحد لتهدئة الرأي العام كفيل بإثارة الذعر بين المستثمرين مما يتسبب في إفلاس البنوك وانهيار البورصة. فحين لا تكون مدينًا لأحد، لن تخاف على سمعتك في الأوساط الاقتصادية.

وكقاعدة عامة: أصحاب السمعة الطيبة هم من لا يعبأون بها على الإطلاق. أما الضالون والفارون فهم يتحدثون عن القضية أكثر من غيرهم.

- تعلم الترجمة دون معلم ..

يعد تعلم لغة جديدة عاملاً من عوامل الضغط: إذ إنك تتميز في اكتساب اللغة حين تقع في أزمة. أنت تريد التعبير عن ألم في معدتك بعد تناول وجبة في مطعم معين، فتظل ترتكب الخطأ تلو الآخر حتى تعبر عما تعانيه. لا تتعلق هذه المشكلة بتعلم كلمات جديدة، بل ببذل نوع مختلف من الجهد الذي يتطلبه التواصل وتتخلله قراءة أفكار الآخر بحيث تتلاشى مخاوف الوقوع في أخطاء. غير أن النجاح والثراء والتكنولوجيا تعيق مثل هذه الطريقة في اكتساب اللغات. ومن المدهش حقًا أن يكون أفضل طرق تعلم لغة جديدة هو قضاء فترة في سجن دولة أجنبية. لقد استطاع أحد أصدقائي تحسين لغته الروسية بفضل قضائه فترة في معزل إحدى مستشفيات ”موسكو“ بسبب مرض خيالي، فيما يشبه عملية اختطاف ماكرة بحجة الإصابة بأمراض وهمية. حدث ذلك في أعقاب انهيار ”الاتحاد السوفييتي“: إذ كانت المستشفيات تجبر الوافدين على المكوث بها وعدم مغادرتها إلا بعد دفع مبلغ ضخم من المال.

لقد كان صديقي بالكاد يعرف بعض الكلمات الروسية، لكن بسبب تلك التجربة القاسية صار يقرأ روايات ”تولستوي“ غير المترجمة ويفهمها.

- التعلم من أخطاء الآخرين ..

يقربنا سقوط كل طائرة من الأمن، فمن شأنه تحسين منظومة الطيران، وجعل الرحلة القادمة أكثر سلامة: إذ يسهم موت البعض في نجاة الآخرين. فرحلة ،“ ”سويس إير 111 “، ورحلة ”تي دابليو إيه 800 و”إير فرانس 447 “ أسهمت في تحسين نظم الطيران.

ويعزى متانة منظومة الطيران لكونها مضادة للهشاشة لأنها مُصممة للاستفادة من الأخطاء الصغيرة. لكننا لا نستطيع تطبيق نفس القاعدة على الانهيارات الاقتصادية لأن النظم الاقتصادية غير مُصممة لتكون متينة. لماذا؟ فهناك مئات الآلاف من الرحلات الجوية كل عام، وسقوط طائرة واحدة لا يعني أنالبقية ستسقط حتمًا. ومن ثم، تبقى أخطاء هذا المجال محدودة وقابلة للفهم، بينما تعمل النظم الاقتصادية وكأنها وحدة واحدة، مما يسمح للأخطاء بالانتشار والتراكم.

- نعم للحرب وتباً للسجن ..

بينما كانت ”لبنان“ تتمتع بكل مميزات الدولة الثرية (كالبيئة الجاذبة للاستثمارات والزراعة والسياحة الناجحة) كانت حكومتها تتسم بضعف شديد سمح للطوائف ولمليشياتها بامتلاك الأسلحة، الأمر الذي تسبب في التسابق إلى التسلح بين أطياف الوطن الواحد. يضاف إلى ما سبق غياب التوازن بين تلك الطوائف: فقد باتت الجماعات الدينية تفرض هويتها على المكان. ورغم كون الفوضى أمرًا منعشًا، كانت ”لبنان“ أكثر فوضى مما ينبغي، وهو الأمر الذي كان يشبه السماح لرؤساء عصابات المافيا في ”نيويورك“ بحشد جيوش يفوق عددها الجيش النظامي الأمريكي. اجتمعت كل تلك العوامل لتشعل فتيل الحرب الأهلية .

في ”لبنان“ عام 1975 ولكني مازلت أتذكر جملة قالها أحد أصدقاء جدي، وهو من تجار ”حلب“ الأثرياء الذين فروا من نظام حزب البعث في ”سوريا“. فحين سأله جدي: ”لماذا لم تعد إلى موطنك؟“ قال: ”إن أهل ”حلب“ يفضلون الحرب على السجن.“ فالسجن بالنسبة إليه يعني فقدان الحرية الاقتصادية والسياسية.

وبالمثل يفضل الاقتصاد الحرب على السجن: فمنذ قرن من الزمان، كان أهل ”لبنان“ وشمال ”سوريا“ يمتلكون نفس الثروة على مستوى الأفراد (والتي يسميها خبراء الاقتصاد الناتج الإجمالي المحلي)، وكانت لديهم نفس الثقافة، واللغة، والأعراق، والمأكولات، وحتى نفس النكات.

لقد كان كل شيء متشابهًا، باستثناء حكم حزب البعث في ”سوريا“، بعكس حكومة ”لبنان“ الطيبة! فرغم الحرب اللبنانية التي ذهب ضحيتها الآلاف من اللبنانيين، وتشتت الباقون فكريًا، وتراجعت الثروة والاقتصاد عقودًا إلى الخلف، ورغم انتشار الفوضى، فإن ”لبنان“ اليوم تتمتع بمستوى معيشة يفوق ”سوريا“ بنحو 3 إلى 6 أضعاف. وهذا ليس جديدًا، فقد سبق ل”ماكيافيلي“ تناوله، بل وينقله لنا ”جان جاك روسو“ قائلاً: ”يبدو أن البلاد تصبح أكثر قوة، ومواطنوها أكثر تقوى في أثناء الحروب الأهلية… فقليل من التوتر يقوي النفس.

فليس السلام هو سبب رخاء الجنس البشري، بل الحرية.“

- الحياة صفقة : ثمن الاستقرار هي الفوضى ..

البحث عن الاستقرار من خلال وضع النُظم الاقتصادية والسياسية غير المتغيرة يشبه ما يفعله مصاص الدماء بضحاياه. ولدينا قائمة طويلة ومزعجة من الحكام الذين فعلوا ذلك أقربهم إلى ذاكرتي ما فعله النظام الحاكم ب”مصر“ قبل أحداث يناير 2011 . لقد دعمت ”الولايات المتحدة“ النظام المذكور لمدة أربعة عقود ”لتجنب الفوضى“، الأمر الذي أدى إلى تكوين زمرة من ”اللصوص الوجهاء“ الذين استغلوا سلطاتهم في السيطرة على مقاليد الأمور. فهم مثل قادة البنوك الذين رفعوا شعار ”نحن أقوى من أي فشل“ لخداع دافعي الضرائب والحصول على أرباح ضخمة.

- الوجه القبيح للعلاج ..

في بعض حالات استئصال اللوزتين لدى الأطفال، يتعرض الطفل الذي يُجري جراحة لا لزوم لها لكثير من الأضرار، وبخاصة إن كان العلاج هو مصدر رزق لآخرين: وهذا ما نطلق عليه اسم ”خطورة العلاج الزائد عن الحد“ أو ما كان يسميه اليونانيون القدماء ”الضرر الذي يسببه المعالجون“. وقد تم غلق هذا الملف في اليوم الذي اخترع فيه البنسلين، والذي وجد الباحثون أضراره تفوق فوائده: فكثرة الذهاب إلى الطبيب تقتلك.

وبسبب التطور التقني، ونشأة العيادات الخاصة التي استعاض الناس بها عن العلاج المنزلي، ارتفعت نسبة الوفيات: فثمة ما نطلق عليه ”جنون المشفى“ أي أن المستشفيات تحولت في وقت من الأوقات إلى ”مقابر جماعية“. والدليل على ارتفاع معدل الوفيات هو حدوث عدد كبير منها في مكان واحد: المشفى؛ في حين كان من الممكن تقليص هذا العدد إن لم يدخل كل

هؤلاء المرضى المستشفيات.

غير أن الطب تقدم، وبخاصة في مجال دحر العلاج غير المجدي؛ إذ بات الأطباء يلتفتون إلى مضاعفات العلاج المذكور ويسيطرون عليها. وعلى الرغم من أن الأخطاء الطبية تقتل من ثلاثة إلى عشرة أضعاف من تقتلهم حوادث السيارات في ”أمريكا“ وحدها، يمكننا التسليم بحقيقة كون أخطاء الأطباء تتسبب في زيادة نسبة الوفيات أكثر من الإصابة بمرض السرطان في جميع الأحوال.

تُعد التوعية بأضرار التدخل الطبي غير المرغوب فيه مهمة شاقة: إذ إن تلك المسألة غير متداولة خارج الأوساط الطبية (أي بين من يتعذر عليهم فهم مخاطرها).

لكن الحديث عن شيء ما في العديد من المحافل يزيد من الوعي به. ومن المنتظر أن ننشر المعرفة بالابتعاد عن المبالغة في الحرص (كالعلاج، والأكل وغيرها) في العلوم السياسية، والاقتصاد، والتخطيط العمراني، والتعليم وغيرها من المجالات.

- جنون الإعلام ..

تُصدر وسائل الإعلام الكثير من الجلبة والضوضاء حين تشرع في التضخيم من شأن حدث أو صناعة ما نسميه بال”فرقعة“. من ثم، تجدنا نحيا في واقع افتراضي، وقد انفصلنا عن العالم الواقعي، وهذا الانفصال يزداد يومًا بعد يوم. فمثلاً، يموت نحو 6200 شخص يوميًا في ”الولايات المتحدة“ لأسباب يمكن تفاديها؛ لكن الإعلام لا يهتم إلا بإعداد تقارير عن أكثر الأسباب إثارة وتشويقًا مثل الأعاصير، والحوادث الغريبة، وتحطم الطائرات الصغيرة) وهو أمر يعطينا صورة مشوهة عن المصادر الحقيقية للمخاطر. في الماضي كانت المعلومات هي مصدر الإثارة، إلا أن الأمور تغيرت كثيرًا في عصرنا الحديث. بالمثل، نجد وسائل الإعلام بدلاً من التوعية؛ تنشر الأوهام.

الإعلاميون يتطلعون إلى الماضي كي يكتبوا عن المستقبل، فهم مثل القادة الذين كانوا يرسلون الجيوش بعد اندلاع الحرب، أو كمن يطلب تشديد أمن الطائرات بعد الإقلاع! ولأننا اعتدنا الاستقرار، يتعذر علينا أن نطابق خريطة العالم بالواقع الملموس، من ثم، صرنا نعيش في عالم أكثر هشاشة متخيلين أنه أكثر متانة. أفضل طرق تقليص التدخل غير المرغوب فيه هي تقنين ما يصلنا من معلومات. بطبيعة الحال، يتعذر قبول هذا في عصر الإنترنت: فكلما ازداد كم البيانات التي نحصل عليها، قلت معرفتنا بما يحدث حولنا، مما يجعلنا نمعن التدخل فيما لا يعنينا، فلم يزل الناس يعيشون في وهم ”كثير من العلم يساوي مزيدًا من البيانات.“

- الخلط بين المبهم والسطحي ..

حين كتب ”فريدريك نيتشه“ كتاب ”مولد المأساة“، كان في العشرينيات من عمره، وكان الغرض من تأليفه لهذا الكتاب دحض نظرية ”سقراط“ (والذي لقبه بمعلم الأسرار) بأن كل ما هو مرئي مفهوم. وفي السطور التالية، يفضح ”نيتشه“ مغالطة ”سقراط“ بقوله: ”كان يجب على سقراط أن يسأل نفسه: أليس من الممكن أن لا يكون ما هو مبهم بالنسبة إليَّ أمرًا سطحيًا أو تافهًا بالضرورة؟

ربما يوجد مجال للحكمة (أو الفلسفة) قد كان سقراط غافلاً عنه.“ كان ”نيتشه“ قاسيًا في جدله ضد نظريات ”سقراط“ لدرجة جعلته يرفض جل ما آمن به الأخير. إذ أغضب ”نيتشه“ الافتراض بأن المعرفة دواء لكل داء، وأن الخطأ شر، وأن العلم هو مصدر

التفاؤل. لقد أثار كل هذا حفيظة ”نيتشه“ لأنه كان يؤمن بوجود عوالم غامضة لا نعرف عنها شيئًا، على العكس من ”سقراط“ الذي آمن بأن كل ما هو مرئي حقيقي والعكس صحيح، وأنه من الخطأ تسخير العلم والمعرفة في خدمة المدينة الفاضلة والتي لم يثبت وجودها بعد.

دعنا من التشاؤم المتصل باسم ”نيتشه“، فعلى أية حال ما نريد إيضاحه هو أن ”نيتشه“ شك في صحة المعرفة

باختصار، يعد البشر متينين إن استفادوا من التقلبات، جاعلين فوائدها تتفوق على مضارها. فإذا كنت قد نجحت في الماضي، فهذا لا يعني أنك غير قابل للكسرلكنك ستحافظ على نجاحك إذا واجهت الضغوط، ولم تحاول الهروب وتجنب الفوضى، وأنك ستُضار بسبب حرصك على تجنب الضغوط والفوضى.

------------------------------

- نهاية الملخص ..

Shares

2

  • if_facebook_circle_color_107175_white_black
  • if_twitter_circle_color_107170_wb
  • if_instagram_circle_color_107172_wb

©2014 by La5sly, developed by ( Muhammed Magdy - Samir Hosny

عدد زائري لخصلي

  • if_facebook_circle_color_107175
  • if_twitter_circle_color_107170
  • if_instagram_circle_color_107172
  • subscribe
  • msg