قواعد البيانات الكبرى

قواعد البيانات الكبرى

 

 

 

- فكرة عامة حول الكتاب ..

 

 

في عالم تحكمه الضوضاء ويسيطر عليه الزحام، صارت الكلمة العليا للبيانات، وأصبحنا نرى ثمار العولمة وعالم المعلومات في كل مكان، فها نحن نرى كل شخص يحمل في جيبه هاتفًا محمولاً، وجهاز كمبيوتر في حقيبته، كما انتشرت نظم تكنولوجيا المعلومات في جميع مكاتب الشركات، والمنظمات، وحتى في المتاجر الصغيرة. لكننا لا نلاحظ المعلومات ذاتها ولا ندرك قيمتها. لقد بدأت البيانات والمعلومات، خلال الخمسين عامًا التي انتشرت فيها أجهزة الكمبيوتر في جميع أرجاء العالم، تتراكم بصورة أدت إلى نتائج جديدة ومختلفة.

 

 

- بيانات الكتاب ..

المؤلفون : فيكتور ماير شونبرجر وكينيث كوكير

التصنيف الموضوعي : قيادة وإدارة

تاريخ النشر : مارس ٢٠١٣

متوسط عدد صفحات الكتاب : ٢٧٥ صفحة

متوسط سعر الكتاب : ٤٥٠ ج

موقع الكتاب : ( www.big-data-book.com )

 

 

- ملخص الكتاب ..

 

 

 

- لندع البيانات تتحدث ..

 

لا يعج العالم فقط بالمزيد من المعلومات الآن، أكثر من أي وقت مضى، بل نجد تلك المعلومات تنمو بصورة أسرع. وقد أدى تغيير الحجم إلى تغيير في الشكل، كما أدى التغيير الكمي إلى تغيير نوعي. وعليه، صاغت بعض العلوم مثل علم الفلك وعلم الهندسة الوراثية، والتي شهدت بدايات هذه الطفرة خلال القرن العشرين، مصطلح ”قواعد البيانات الكبرى“، حتى انتشر في مجالات النشاط الإنساني كافة.

 

يشير مصطلح ”قواعد البيانات الكبرى“ إلى أمور يمكن للمرء القيام بها على نطاق واسع للتوصل إلى رؤى جديدة أو إيجاد صور مختلفة للقيمة بطرق تغير شكل الأسواق والمؤسسات والعلاقات بين المواطنين والحكومات.

 

بيد أن هذه ليست سوى البداية، إذ تتحدى قواعد البيانات الكبرى الطريقة التي نعيش ونتفاعل بها مع العالم. وما يبدو لافتًا للنظر هو ضرورة أن يتخلص البشر من اهتمامهم بالسببية ليركزوا على العلاقات الارتباطية بين البيانات: ويعني ذلك ألا يركضوا وراء

معرفة الأسباب، بل أن يركزوا فقط على معرفة ما يجري. يضع هذا التحول نهاية لقرون من الممارسات التقليدية، ويتحدى مفاهيمنا الأساسية عن كيفية اتخاذ القرارات وإدراك الواقع.

 

فضلاً عن ذلك، ستصبح قواعد البيانات الكبرى مصدرًا للقيمة الاقتصادية الجديدة وللابتكار والإبداع. ولكن ليس هذا كل ما في الأمر، بل تقدم قواعد البيانات الكبرى ثلاثة تحولات في طريقة تحليل المعلومات، والتي تغير كيفية فهمنا للمجتمع، والسبيل إلى تنظيمه. يتمثل التحول الأول في القدرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الخاصة بموضوع ما، بدلاً من أن نضطر إلى معالجة مجموعات أصغر من تلك البيانات.

 

وينطوي التحول الثاني على الاستعداد لاحتواء الفوضى التي يتسم بها العالم الواقعي للبيانات، بدلاً من تفضيل الدقة فحسب. أما التحول الثالث، فيتمثل في الاهتمام المتزايد بالعلاقات، أو بالارتباطات، بدلاً من السعي المستمر وراء السببية، أي معرفة الأسباب التي تؤدي إلى كل ظاهرة، والتي يعد إدراكها أمرًا بعيد المنال.

 

ليس ثمة مصطلح جامع مانع لوصف ما يحدث الآن أو يساعد على تخيل هذه التحولات والتغييرات سوى مصطلح ”التبيين“، والذي يشير إلى جمع المعلومات كافة حول كل ما هو تحت الشمس (بما في ذلك تلك التي لم يُنظر إليها قط بوصفها معلومات، مثل تحديد مكان شخص) وتحويله إلى صورة بيانات للاستفادة منها فيما بعد. يتيح لنا ذلك استخدام المعلومات بطرق جديدة، كما هو الحال في التحليل التنبؤي. ويمكننا، كنتيجة لذلك، الكشف عن القيمة الكامنة للمعلومات.

 

 

- التحول الأول : الكثرة ..

 

تختص قواعد البيانات الكبرى برؤية وفهم العلاقات داخل مجموعات المعلومات وفيما بينها، والتي طالما حاولنا – حتى وقت قريب – فهمها بصورة كاملة. ويقول ”جيف جوناس“ الخبير بقطاع قواعد البيانات الكبرى بشركة ”آي بي إم“ إننا بحاجة إلى إتاحة الفرصة للبيانات كي تتحدث إلينا. في عالمنا الجديد هذا، يمكننا تحليل كم أكبر من البيانات. كما يمكننا، في بعض الحالات، معالجة البيانات كافة المتعلقة بظاهرة معينة.

 

وقد اعتمد العالم منذ القرن التاسع عشر على استخدام العينات لتمثيل الأعداد الكبيرة؛ إذ اتسمت تلك الفترة بندرة المعلومات بسبب القيود الطبيعية المفروضة على التعامل مع المعلومات في عصر اعتمد على التكنولوجيا التناظرية فحسب. لم نكن ننظر إلى العينات بوصفها قيودًا اصطناعية قبل انتشار الوسائل التكنولوجية الرقمية عالية الأداء، بل كنا ننظر إليها بوصفها إحدى المسلمات.

 

لقد أتاح لنا استخدام قواعد البيانات الكبرى معرفة تفاصيل لم نكن لندركها قط عندما كنا نقتصر على قواعد البيانات الصغيرة فحسب. وفضلاً عن ذلك، تمدنا قواعد البيانات الكبرى برؤية واضحة عن التفاصيل شديدة الدقة، مثل التصنيفات الثانوية والأسواق الفرعية، التي لا تستطيع العينات تقييمها.

 

 

 

- التحول الثاني : الفوضى ..

 

يُعد استخدام جميع البيانات المتاحة أمرًا مجديًا في الكثير من السياقات. لكن هذا على حساب شيء آخر؛ حيث تؤدي زيادة حجم البيانات إلى عدم الدقة. وليس ثمة شك أن الأرقام الخاطئة والبيانات غير الصحيحة كانت دائمًا تتسلل إلى قواعد البيانات. غير أنه جرت العادة على التعامل معها بوصفها مشكلات، ومحاولة التخلص منها، ربما لأننا لم نكن نستطيع أن نفعل غير ذلك. ليس هذا فحسب، بل لم نكن أيضًا نريد أن نعتبر وجودها حتميًا، ونتعلم كيفية التعايش معها.

 

في الماضي، حين كان العالم يتسم بقواعد صغيرة للبيانات، كان الحد من الأخطاء وضمان الجودة العالية للبيانات دافعًا طبيعيًا وجوهريًا. لذا، فعندما كنا نجمع بعض المعلومات القليلة فحسب، لم يكن لدينا أدنى شك في أن الأرقام التي نهتم بتسجيلها دقيقة قدر الإمكان. وقد استفادت أجيال من العلماء من توظيف الأدوات المتاحة لديها للوصول إلى قياسات أكثر دقة، سواء كان ذلك لتحديد موقع الأجرام السماوية، أو لمعرفة حجم الأجسام تحت المجهر. وفي عالم كان يعتمد على استخدام العينات، كان الهوس بالدقة أكثر أهمية. فتحليل عدد محدود من البيانات قد يؤدي إلى أخطاء جسيمة، مما يقلل من دقة النتائج الإجمالية.

 

جدير بالذكر أن الفوضى، أو العشوائية، ليست متأصلة في قواعد البيانات الكبرى، بيد أنها تتعلق بعدم كفاءة الأدوات التي نستخدمها لقياس المعلومات وتسجيلها وتحليلها. فإذا وصلت التكنولوجيا إلى حد يتعذر معه احتمال الخطأ، ستختفي مشكلة عدم الدقة كليةً. ولكن ما دامت لم تدرك ذلك المستوى الذي يغيب معه احتمال وجود أي أخطاء، ستظل الفوضى واقعًا عمليًا يتعين علينا التعامل معه.

 

 

 

- التحول الثالث : العلاقات الإرتباطية بالبيانات ..

 

قد تكون معرفة الأسباب وراء ما يحدث أمرًا جيدًا، بيد أنها ليست ضرورية لزيادة المبيعات، بينما تؤدي معرفة ما يحدث إلى تحقيق نجاحات. أدى هذا التحول من السببية للعلاقات الارتباطية إلى إعادة تشكيل العديد من الصناعات، وليس التجارة الإلكترونية فحسب. فقد تدرب مندوبو المبيعات في جميع القطاعات على فهم ما يريده عملاؤهم، حتى يستطيعوا معرفة الأسباب الكامنة وراء قراراتهم الشرائية. ومن ثم، حظيت المهارات المهنية وسنوات الخبرة بتقدير كبير، لكن تكشف قواعد البيانات الكبرى وجود نهج آخر أكثر واقعية.

 

 

 

- تنبؤات وتفضيلات ..

 

تُعد العلاقات الارتباطية مفيدة في عالم البيانات الصغيرة، أما في سياق قواعد البيانات الكبرى فإنها تأتي بنتائج رائعة. فمن خلالها نستطيع استخلاص الأفكار بسهولة أكثر، وبصورة أسرع وأكثر وضوحًا من ذي قبل. وفي جوهرها، تقوم الارتباطات بتحديد العلاقة الإحصائية الكمية بين قيمتين. فإذا كانت هناك علاقة ارتباطية قوية بين مجموعتين من البيانات، يعني هذا أنه عند حدوث تغيير في قيمة إحدى هاتين المجموعتين، تطرأ على الأخرى تغييرات كبيرة.

 

وعلى العكس، في حالة وجود علاقة ارتباطية ضعيفة، لا يؤثر التغيير الذي يطرأ على إحدى المجموعتين بدرجة كبيرة على الأخرى. ويمكننا تطبيق فكرة العلاقات الارتباطية، على سبيل المثال، على العلاقة بين طول شعر المرء وإحساسه بالسعادة، وعندها سنجد أن طول الشعر لا يمكن أن يعطينا فكرة عن سعادة المرء بأي حال من الأحوال. لذا لا تُعد تلك من العلاقات الارتباطية القوية.

 

تعطينا الارتباطات، أو العلاقات الارتباطية، فرصة لتحليل الظواهر، لا من خلال تسليط الضوء على ما يجري خلالها، بل عن طريق الوصول إلى متلازمات شديدة الارتباط بها. هذا، ولا تؤدي بنا الارتباطات إلى اليقين، بل إلى احتمالات فحسب. بيد أنه إذا كانت هناك علاقات ارتباطية قوية، يصبح احتمال وجود صلة بين مجموعتين من البيانات أمرًا مرجحًا.

 

وإذ تتيح لنا الارتباطات فرصة تحديد متلازمة مرتبطة بإحدى الظواهر، نجدها تساعدنا في السيطرة على الحاضر والتكهن بالمستقبل: فإذا كانت الظاهرة (أ) غالبًا ما تتلازم مع حدوث الظاهرة (ب)، يتعين علينا مراقبة الظاهرة (ب)، حتى يتسنى لنا التكهن بحدوث الظاهرة (أ). فبالاستعانة بالظاهرة (ب) بوصفها متلازمة، يمكننا من خلالها معرفة ما قد يحدث مع الظاهرة (أ)، حتى وإن كنا غير قادرين على قياس أو مراقبة تلك الظاهرة بطريقة مباشرة. والأهم من ذلك أنها تساعدنا أيضًا في التكهن بما يمكن أن يحدث للظاهرة (أ) في المستقبل.

 

ولا تمكننا تلك الارتباطات، بطبيعة الحال، من التنبؤ بالمستقبل، بل تساعدنا على التكهن بإمكانية حدوث بعض الاحتمالات. غير أن تلك الإمكانية لها قيمتها التي لا ينبغي إغفالها.

يقدم لنا ما قامت به سلسلة متاجر ”ولمارت“ بالولايات المتحدة مثالاً توضيحيًا على هذا الأمر. فقد استعانت تلك المتاجر بمحاسبين متخصصين في العمليات الحسابية المعقدة من شركة ”تيراداتا“، للكشف عن الارتباطات القَيِّمة.

 

في عام 2004 قامت الشركة بالتدقيق في قواعد البيانات العملاقة الخاصة بعملها في الأعوام السابقة: فراحت تبحث عن الأصناف الأساسية التي يشتريها كل عميل وإجمالي تكلفتها، بالإضافة إلى الأصناف الأخرى التي يشتريها، والوقت الذي يشتري فيه تلك الأصناف، بل وحتى حالة الطقس في ذلك الوقت. وقد لاحظت الشركة أنه في الأوقات التي تسبق الأعاصير مباشرة، لم تتزايد مبيعات الكشافات الضوئية فحسب، بل أقبل الزبائن أيضًا على شراء أحد أنواع الوجبات الخفيفة التي يتناولها الأمريكيون في الإفطار. ومن ثم، قامت شركة ”ولمارت“، مع اقتراب العواصف، بعرض تلك الوجبات الخفيفة في مداخل متاجرها بجوار الأصناف الأساسية التي يشتريها عملاؤها قبل الإعصار، لتسهيل مهمة الشراء بالنسبة إلى العملاء، ولزيادة مبيعاتها في آن واحد.

 

في الماضي، كانت إدارات الشركات تعتمد على التوقعات في جمع البيانات واختبار صحة الأفكار والمقترحات. أما الآن، يتوافر لدينا الكثير من البيانات والأدوات المتطورة، فصارت الارتباطات تلوح أمامنا بسرعة أكبر وبتكاليف أقل.

 

 

 

- التحليل بإستخدام قواعد البيانات الكبري ..

 

في عالم لم يتوفر فيه سوى القليل من البيانات، كانت التحقيقات السببية والتحليلات الارتباطية تبدأ بفرضية يتم اختبارها لإثبات صحتها أو خطئها. ولكن نظرًا إلى أن كلا الأسلوبين كانا يعتمدان على فرضية، كان كلاهما عرضة للتحيز والحدس الخاطئ، ولم تكن البيانات اللازمة متوفرة في أغلب الأحيان. أما في يومنا هذا، ومع توفر الكثير من البيانات، وتوقع إتاحة المزيد منها في المستقبل، لم تعد مثل هذه الفرضيات حاسمة بالنسبة إلى تحليل العلاقات الارتباطية.

 

وثمة فرق آخر. فبسبب عدم توفر إمكانات حاسوبية كافية من ناحية، قبل توفر قواعد البيانات الكبرى، كانت معظم التحليلات الارتباطية التي تستخدم مجموعات البيانات الكبيرة تقتصر على البحث عن علاقات خطية، لكن الواقع أن العديد من العلاقات بطبيعة الحال أكثر تعقيدًا. أما من خلال التحليلات الأكثر تطورًا، يمكننا تحديد العلاقات غير الخطية بين البيانات.

 

على سبيل المثال: ظل رجال الاقتصاد وخبراء العلوم السياسية يعتقدون لسنوات طوال أن السعادة والدخل المرتفع متلازمان بصورة مباشرة: فإذا ما ارتفع دخل الفرد سيصبح أكثر سعادة. بيد أن البيانات تكشف ديناميكية أكثر تعقيدًا تحكم العلاقة بين هذين الأمرين. فقد أوضحت أن كل زيادة بالنسبة إلى بعض المستويات المتدنية من الدخل تُترجم إلى زيادة في شعور أصحاب هذه الدخول بالسعادة، ولكن بالنسبة إلى الدخول التي تزيد عن ذلك المستوى، فنادرًا ما تؤثر زيادة الدخل في شعور أصحابها بالسعادة.

 

فإذا ما أردنا التعبير عن تلك العلاقة من خلال رسم بياني، سنقوم برسم منحنى وليس خطًا مستقيمًا كما يظهر في التحليل الخطي. كان ذلك الاكتشاف مهمًا بالنسبة إلى واضعي السياسات. ففي حالة العلاقة الخطية، يصبح من المنطقي رفع جميع الدخول لتعزيز الشعور بالسعادة لدى الجميع. ولكن منذ اكتشاف العلاقات غير الخطية، صار من الأفضل التركيز على زيادة دخول الفقراء، إذ أظهرت البيانات أن ذلك سيأتي بنتائج أفضل.

 

في نهاية المطاف، تؤدي مثل هذه التحليلات، في عصر يتسم بقواعد البيانات الكبرى، إلى موجة من الرؤى الجديدة والتكهنات المفيدة. فسنرى صلات لم نكن ندركها من قبل، وسنستطيع فهم ديناميكيات اجتماعية وتكنولوجية معقدة كانت تغيب عنا. ولكن الأهم من ذلك هو أن هذه التحليلات غير السببية ستساعدنا على فهم العالم عن طريق طرح سؤال يتعلق بماذا يحدث، بدلاً من الاستفسار عن أسباب ما يجري.

 

 

 

- الموقع أحد البيانات ..

 

تُعد أجهزة تحديد المواقع ”جي بي إس“ أحد الأنظمة الحديثة التي صُممت بهدف تحديد المواقع الجغرافية. نجد أنظمة الأقمار الصناعية المتنافسة تنتشر في الصين وأوروبا، بل ويمكن الحصول على نتائج أكثر دقة من خلال المسح المثلثي بين الأبراج الخلوية أو أجهزة التوجيه ”واي فاي“ لتحديد الموقع اعتمادًا على قوة الإشارة، لأن أجهزة ”جي بي إس“ لا تعمل داخل البنايات، أو في وسط المباني الشاهقة.

 

لهذا السبب صممت بعض الشركات، مثل: ”جوجل“ و”آبل“ و”ميكروسوفت“، نظم تحديد المواقع الجغرافية الخاصة بها، لتقوم بما لا تستطيع أجهزة ”جي بي إس“ القيام به. فقد نجحت تقنية تحديد مواقع السيارات في الشوارع، والخاصة بمحرك البحث ”جوجل“، في جمع المعلومات الخاصة بأجهزة التوجيه ”واي فاي“ من خلال الصور التي تلتقطها، كما أصبح هاتف الآيفون ”هاتف تصنت“ لجمع بيانات المواقع الجغرافية وأجهزة ”واي فاي“، وإرسالها إلى موقع شركة ”آبل“، دون علم المستخدمين.

 

ولا يمكن الآن تتبع البشر فحسب، بل يمكن تتبع ممتلكاتهم كذلك. فعن طريق الوحدات اللاسلكية المثبتة داخل السيارات، سيؤدي تبيين المواقع الجغرافية إلى طفرة في عالم التأمينات، إذ تقدم البيانات فكرة تفصيلية عن الوقت والمواقع الجغرافية والمسافات الفعلية التي تقطعها السيارات، لتحديد قيمة المخاطر التي قد تتعرض لها بصورة أفضل.

 

هذا، ويستطيع الأفراد في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا الاستفادة من أنظمة التأمين المناسبة على السيارات، طبقًا للأماكن والأوقات التي يقودون فيها سياراتهم، إذ لم يعودوا مجبرين على دفع اشتراكات سنوية بناءً على السن، والجنس، وسجل القيادة السابق. وبالطبع تشجع سياسة تسعير التأمين تلك السائقين على اتباع السلوك الجيد في أثناء القيادة، كما تُحدِث تحولاً في كيفية تحديد أسعار التأمين، من مجرد الاعتماد على تقدير المخاطر المحتملة إلى الاعتماد على السلوك الفردي.

 

ليس هذا فحسب، بل يغيِّر أيضًا تتبع الأفراد عن طريق مَركباتهم طبيعة التكاليف الثابتة، التي تضع في اعتبارها تكلفة صيانة الطرق وغيرها من عناصر البنية التحتية، من خلال ربط استخدام تلك الموارد بالسائقين وغيرهم ممن ”يستهلكونها“.

 

 

 

- القيمة الكامنة في البيانات ..

 

يمكن تشبيه قيمة البيانات الحقيقية بجبل جليدي يسبح في المحيط، لا يظهر منه لأول وهلة سوى جزء صغير، بينما يختفي الجزء الأكبر منه تحت سطح المياه. من ثم، ينبغي تقدير قيمة البيانات من حيث السبل التي يمكن أن توظَّف بها تلك البيانات في المستقبل، وليس من خلال الطرق التي تُستخدم بها في الوقت الحاضر فحسب.

 

قد يكون من المفيد أن نتصور البيانات بالطريقة التي يتخيل بها الفيزيائيون الطاقة، وحديثهم عن الطاقة المختزنة، أو الكامنة، داخل أي جسم. فإذا ما نظرنا إلى زنبرك مضغوط، أو كرة ثابتة في أعلى أحد التلال، نجد الطاقة تظل كامنة في هذين الجسمين الثابتين، إلى أن يتحركا، عندما يتم تحرير الزنبرك أو دفع الكرة إلى أسفل، وعندها تتحول تلك الطاقة الكامنة إلى طاقة ”حركية“ تؤثر على غيرها من الأجسام. بالمثل، بعد استخدام البيانات لأول مرة، تظل قيمتها كامنة وإمكاناتها مخزنة، كما في حالة الزنبرك أو الكرة، حتى يتم استخدامها مرة أخرى، وتتحرر طاقتها من جديد.

 

تكمن قيمة البيانات فيما يستطيع المرء الاستفادة منها من خلال توظيفها بشتى السبل. في الماضي، كنا نظن أن البيانات قد أدت دورها إذا ما حصلنا على النتيجة المرجوة منها واستخدمناها مرة واحدة فقط، ثم نتخلص منها بعد ذلك. أما في عصر قواعد البيانات الهائلة، صارت البيانات أشبه بمنجم الماس الذي يظل منتجًا لفترة طويلة مهما استخرجنا منه.

 

 

 

- الجانب المظلم من قواعد البيانات الكبرى ..

 

تتيح قواعد البيانات الكبرى قدرًا أكبر من المراقبة لحياتنا، في حين أنها تجعل بعض الوسائل القانونية لحماية الخصوصية بالية وغير ملائمة لذلك العصر. كما أنها تجعل تقنيات الحفاظ على سرية الهوية غير فعالة. في الوقت ذاته، هناك خطر حقيقي يتمثل في أن فوائد قواعد البيانات الكبرى تجذب البشر إلى تطبيق التقنيات في غير مكانها الصحيح، أو تجعلهم يشعرون بالثقة المفرطة في نتائج التحليلات. ومع تطور التكهنات التي تعتمد على قواعد البيانات الهائلة، يصبح استخدامها أكثر جاذبية، وتجعل البشر شغوفين بالبيانات ويعتمدون عليها اعتمادًا مفرطًا، لما يمكن أن تحققه من نتائج.

 

 

 

- من الخصوصية إلى المسألة ..

 

يؤدي إجراء بعض التغييرات في الطريقة التي ننتج بها المعلومات ونتفاعل معها إلى تغييرات في القواعد التي نستخدمها وفي القيم التي يحتاج المجتمع إلى حمايتها.

على مدى عقود، كان الهدف الرئيسي من قوانين حماية الخصوصية في جميع أنحاء العالم هو أن يقرر الأفراد بأنفسهم طريقة معالجة بياناتهم الشخصية ومَن يستطيع الوصول إليها. وفي عصر الإنترنت، تحول الأمر إلى ”إشعار وقبول“. بيد أنه في عصر قواعد البيانات الكبرى، عندما يكمن القدر الأكبر من قيمة البيانات في الاستخدامات الثانوية التي قد لا تكون متوقعة في الوقت الذي يتم فيه جمع تلك البيانات، لم تعد هذه الآلية لحماية الخصوصية مناسبة.

 

إننا نتصور إطارًا مختلفًا للخصوصية في عصر قواعد البيانات الكبرى، إطارًا لا يركز على موافقة الفرد على جمع بياناته، بل يركز بدرجة أكبر على تحميل مستخدمي البيانات مسؤولية ما يقومون به. وفي عالم مثل هذا، ستقوم الشركات بتقييم إعادة استخدام البيانات بصورة محددة، على أساس تأثيرها في الأفراد الذين تتم معالجة بياناتهم الشخصية. ولا يتعين أن تكون تلك العملية مفصلة تفصيلاً تامًا في جميع الحالات، حيث ستحدد قوانين الخصوصية في المستقبل فئات واسعة من الاستخدامات، بما في ذلك الاستخدامات المسموح بها مع وجود ضمانات محددة وموحدة، أو في عدم وجودها.

 

وبالنسبة إلى المبادرات التي تحيط بها نسبة كبيرة من المخاطر، يحدد القائمون عليها القواعد الأساسية التي تمكن مستخدمي البيانات من تقييم المخاطر المترتبة على استخدامها وتحديد أفضل السبل لتجنب الضرر المحتمل، أو للتخفيف من وطأته. سيؤدي ذلك إلى إعادة استخدام البيانات بطريقة إبداعية، بينما يضمن، في الوقت نفسه، اتخاذ التدابير اللازمة للتأكد من عدم تعرض الأفراد لأي ضرر.

 

ويوفر التقييم الرسمي لاستخدام قواعد البيانات الكبرى بشكل صحيح، وتنفيذ نتائجها بدقة، فوائد ملموسة بالنسبة إلى مستخدمي البيانات: فسيمكنهم مواصلة الاستخدامات الثانوية للبيانات الشخصية بحرية في كثير من الحالات، دون الحاجة للعودة إلى الأفراد للحصول على موافقتهم بصورة مباشرة. ومن ناحية أخرى، ستعرِّض التقييمات الخاطئة، أو التطبيق السيئ للضمانات، مستخدمي البيانات للمساءلة القانونية، والإجراءات التنظيمية، مثل فرض الوصاية، ودفع الغرامات، وربما الملاحقة الجنائية.

 

 

 

- المتخصصون في الحسابات المعقدة ..

 

إننا نلاحظ ظهور كيانات جديدة مع ازدياد التعقيد والتخصص في مجال ما، مما يؤدي إلى حاجة ملحة لخبراء يديرون التقنيات الجديدة. وقد خضعت مهن المحاماة والطب والمحاسبة والهندسة لذلك التحول منذ أكثر من قرن من الزمان. وفي الآونة الأخيرة، ظهر المتخصصون في ضمان خصوصية الشبكات وأجهزة الكمبيوتر، ليعملوا على التأكد من أن الشركات تمتثل لأفضل الممارسات التي تحددها المنظمات الدولية.

 

ستتطلب قواعد البيانات الكبرى مجموعة جديدة من الأفراد لإدارتها، ربما نطلق عليهم اسم ”المتخصصين في الحسابات المعقدة“. قد يتخذ هؤلاء المتخصصون شكل كيانات مستقلة لمراقبة الشركات من الخارج، أو مجموعة من الموظفين أو الإدارات لمراقبتها في الداخل، ويشبه ذلك فريق الحسابات في أية شركة، والذي يتكون من مجموعة من المحاسبين يعملون داخل الشركة، ومجموعة من مراجعي الحسابات الخارجيين الذين يقومون بمراجعة الحسابات والأمور المالية.

 

سيكون هؤلاء المهنيون الجدد خبراء في مجالات علوم الكمبيوتر، والرياضيات، والإحصاء، كما سيعملون في مراجعة قواعد البيانات الكبرى والتحليلات والتكهنات الخاصة بها، وسيتعهدون بالحياد والسرية، كما يفعل المحاسبون وغيرهم من المهنيين في الوقت الحاضر. ليس هذا فحسب، بل سيقومون أيضًا بتقييم واختيار مصادر البيانات، واختيار الأدوات التحليلية التنبؤية، بما في ذلك النماذج والحلول الحسابية، وتفسير النتائج. وفي حالة وجود أي نزاع بينهم، سيستعينون بالحلول الحسابية، والمناهج الإحصائية، ومجموعات البيانات التي تساعدهم في التوصل إلى قرار معين.

 

وثمة أمثلة للدور الذي يلعبه المتخصصون في الحسابات المعقدة في اليابان، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، حيث اشتكى مستخدمو محرك البحث ”جوجل“ من أن خاصية ”الإكمال التلقائي“، التي تنتج قائمة من كلمات البحث الشائعة مرتبطة بالأسماء التي تتم كتابتها في المحرك البحثي، قد سببت لهم بعض المشكلات وأساءت إلى سمعتهم. تستند تلك القوائم إلى حد كبير على عمليات البحث السابقة؛ إذ يتم تصنيف كلمات البحث بناءً على احتمالية رياضية. ومع هذا، مَن منا لا يغضب إذا ما ظهر تعبير ”محكوم عليه“ بجانب أسمائنا، عندما يبحث عنا شركاؤنا المحتملون في العمل على شبكة الإنترنت للتحقق من سمعتنا وسجلاتنا الماضية؟

 

إننا نتصور أن المتخصصين في الحسابات المعقدة قد يوفرون لنا حلولاً مستمدة من السوق لمثل هذه المشكلات تجنبنا القواعد التنظيمية والقيود المزعجة، وقد يقومون بوظيفة مماثلة لتلك التي كان المحاسبون ومراجعو الحسابات يقومون بها عندما بدؤوا عملهم في أوائل القرن العشرين، إذ كانوا يتعاملون مع طوفان جديد من المعلومات المالية يتطلب قدرة تنظيمية هائلة. وكانت استجابة السوق لذلك من خلال إطلاق جيل جديد من الشركات التنافسية المتخصصة في المراقبة المالية. وقد عزز ذلك الجيل الجديد من المهنيين ثقة المجتمع في الاقتصاد. وينبغي أن تستفيد قواعد البيانات الكبرى من الثقة المماثلة التي سيوفرها المتخصصون في الحسابات المعقدة.

 

 

 

- ماذا بعد .. ؟!

 

ثمة تأثيرات واضحة لقواعد البيانات الكبرى على المستوى العملي، إذ تُستخدم لإيجاد حلول للمشاكل اليومية الشائكة. بيد أن هذه مجرد بداية، إذ توشك قواعد البيانات الكبرى على إعادة تشكيل الطريقة التي نعيش ونعمل ونفكر بها. فها هي الأرض تتحرك تحت أقدامنا، وأصبحت معها الثوابت القديمة عرضة للجدل، كما أن المعرفة التي كانت تشير فيما سبق إلى فهم الماضي، صارت تعني الآن القدرة على التكهن بالمستقبل.

 

تميِّز قواعد البيانات الكبرى اللحظة التي يفي فيها ”عالم المعلومات“ بالوعد الذي فرضته عليه تلك التسمية، أي ”عالم المعلومات“. وتحتل البيانات مركز الصدارة في ذلك العالم، إذ يمكن استخدامها بطرق جديدة ومستحدثة، لخدمة أغراض مختلفة واكتشاف أشكال مبتكرة من القيمة. بيد أن ذلك يتطلب طريقة مختلفة في التفكير، تتحدى مؤسساتنا، بل وحتى شعورنا بالهوية وتقديرنا لها. أما الأمر الذي لا يجوز أن يخضع للشك، فهو استمرار تزايد كم البيانات، وبالطبع ستنمو معها القدرة على معالجتها. ولكن بينما يعتبر معظم الناس قواعد البيانات الكبرى أحد العناصر التكنولوجية، مركزين على الأجهزة أو البرمجيات، نعتقد نحن أنه ينبغي أن نركز، بدلاً من ذلك، على ما قد يحدث عندما تتحدث البيانات.

 

 

------------------

 

- نهاية الملخص

Shares

4

  • if_facebook_circle_color_107175_white_black
  • if_twitter_circle_color_107170_wb
  • if_instagram_circle_color_107172_wb

©2014 by La5sly, developed by ( Muhammed Magdy - Samir Hosny

عدد زائري لخصلي

  • if_facebook_circle_color_107175
  • if_twitter_circle_color_107170
  • if_instagram_circle_color_107172
  • subscribe
  • msg